محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

276

الإنجاد في أبواب الجهاد

وأمَّا أحكام الدنيا على هذا المذهب ، فما خصَّهم الشَّرعُ به من حُكمٍ فهو كما خصَّ ، وما لا ، فهم فيه على سائر أحكام المؤمنين ، وعند ذلك يَتَّضح لك ، ولا يخفى عليكَ ، أن جواز فدائهم أو المفاداة بهم لا تصحُّ بحال ، وعلى هذا فحكمهم أن يُجبروا على الإسلام ، إذا كانوا في أيدي المسلمين ، فمن أبَى منهم عُوقِبَ وأُدِّبَ ما دامَ صغيراً ، فإذا بلغَ ولم يُجِبْ إلى ذلك ، فحكمه حُكمُ المرتدّ ، يُستتاب ، فإن تاب وإلا قتل . وأما من أجازَ فيهم المفاداةَ بالأسرى وبالمال على كلِّ حال ، فإنهم غَلَّبوا الظواهرَ الدالَّةَ على إلحاقهم بالكفار ، وحملوهم على أحكام الكفر ؛ إما مطلقاً - كما تقدم - ، وإمَّا مُقيَّداً بأحكام الدنيا عموماً ، إلا ما خصَّ الشَّرعُ من ذلك ، وهو النَّهيُ عن قتلهم . وأمّا من فرَّق فيهم بين الفديةِ والمفاداة ، فكأنَّه أَشْكَلَ عليه الأمرُ فيهم ؛ لِمَا وقعَ من تعارض الأدلَّة عنده ، ولظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - - وقد سُئل عمَّن مات منهم قبل البلوغ - فقال : « الله أعلم بما كانوا عاملين » ( 1 ) ، فاستخفَّ ذلك في المعاوضة بالمسلم الذي هو على يقينٍ من الحكم بإيمانه ، ومنعه في المال ، وكأن هذا أخفُّ من إباحة ذلك على الإطلاق ، وكلُّ هذا الخلافِ إنما هو ما لم يُسلم أبوا الطِّفْل المسبيِّ ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : « فأبواه يهودانه وينصِّرانه ويمجسانه » ( 2 ) ، فأمَّا إنْ أسلما فهو إجماعٌ أن للطِّفل حرمةَ الإسلام ، وجميعَ أحكامه ، فإن أسلم أحدهما دون الآخر

--> = وثمرة الخلاف عند القول بصحة إسلامه ؛ فإن الإسلام يوجب عليه الزكاة في ماله ، ويوجب عليه نفقة قريبه المسلم ، ويحرم ميراث قريبه الكافر ، ويفسخ نكاحه من الكافرة ، وهذه - أيضاً - محل خلاف في التفريعات عند القائلين بصحة إسلامه . انظر : « جامع أحكام الصغار » ( 1 / 93 - 98 ) . وما سقناه يدل على نجاته إن أسلم ، وأما إن مات ولم يظهر ذلك منه ، فهو تحت مشيئة الله ، والراجح ما قدمناه قريباً من امتحانهم في عرصات يوم القيامة ، والله أعلم . ( 1 ) أخرجه مسلم ، وقد مضى قريباً . ( 2 ) مضى تخريجه .